يتناول هذا التقرير، الذي أعده محمد عمر، ملامح التحول في السياسة الأمنية السعودية مع تراجع الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، موضحًا أن الرياض تتجه نحو بناء محور إقليمي يضم تركيا وباكستان ومصر وقطر، بهدف تعزيز التعاون السياسي والأمني، مع استمرار الشكوك حول قدرة هذا التكتل على تعويض المظلة الدفاعية التي وفرتها الولايات المتحدة لعقود.

 

وتوضح منصة هاوس أوف سعود أن الاجتماعات المتتالية لوزراء خارجية الدول الأربع مع السعودية خلال الأشهر الماضية أسست لإطار تشاوري جديد يحمل أبعادًا سياسية واضحة، لكنه لا يمتلك حتى الآن المقومات العسكرية الكافية لتوفير منظومة دفاع جوي وصاروخي متكاملة، في ظل استمرار اعتماد المملكة على مصادر تسليح خارج هذا المحور.

 

محور سياسي جديد في مرحلة ما بعد المظلة الأمريكية

 

ترى المنصة أن انسحاب القوات الأمريكية وتراجع مخزونها من الصواريخ الاعتراضية دفعا السعودية إلى البحث عن ترتيبات أمنية بديلة، فبدأت تعزيز تعاونها مع تركيا وباكستان ومصر وقطر عبر سلسلة اجتماعات رفيعة المستوى. وتصف هذه التحركات بأنها محاولة لبناء محور سياسي يعكس تغير موازين القوى في الشرق الأوسط أكثر من كونه تحالفًا دفاعيًا تقليديًا.

 

ويشير التقرير إلى أن الاتفاقية الدفاعية الإستراتيجية التي وقعتها السعودية وباكستان في سبتمبر 2025 أضفت بعدًا جديدًا على هذا التقارب، إذ حملت رسائل ردع غير مباشرة دون أن تنص صراحة على مظلة نووية. ويؤكد الكاتب أن الغموض الذي يحيط بالاتفاقية يمثل عنصرًا مقصودًا في إستراتيجية الردع، لأنه يترك الباب مفتوحًا أمام تفسيرات متعددة بشأن طبيعة الالتزامات العسكرية بين البلدين.

 

ويضيف أن هذا المحور يسعى أيضًا إلى توجيه رسالة إلى واشنطن مفادها أن السعودية باتت تمتلك بدائل وشركاء جدد، حتى وإن لم يصل هذا التعاون إلى مستوى التحالف الدفاعي الملزم.

 

قدرات متفاوتة وتحديات أمام التحالف الجديد

 

يفصل التقرير عناصر القوة التي يحملها كل طرف داخل هذا المحور. فتركيا توفر قاعدة صناعية دفاعية متطورة، خاصة في مجال الطائرات المسيّرة والصناعات العسكرية، كما توسع تعاونها مع السعودية في مشروعات التصنيع المشترك والاستثمار في المقاتلة التركية "قان".

 

أما مصر، فتمتلك أكبر جيش نظامي بين الدول العربية وقوة عسكرية تقليدية كبيرة، إلا أن عقيدتها العسكرية تركز على حماية أمنها القومي المباشر أكثر من الانخراط في عمليات خارج حدودها.

 

وتوفر باكستان عنصر الردع الإستراتيجي بامتلاكها السلاح النووي وجيشًا كبيرًا، غير أن عقيدتها الدفاعية ترتبط أساسًا بمواجهة الهند، وهو ما يجعل نقل هذا الردع إلى منطقة الخليج مسألة معقدة سياسيًا وعسكريًا.

 

في المقابل، تمتلك قطر إمكانات مالية كبيرة وقدرات لوجستية مهمة، لكنها تعتمد بدرجة كبيرة على الشراكات الدفاعية الغربية، ولا تملك حجمًا عسكريًا يسمح لها بقيادة عمليات ردع واسعة.

 

ويرى الكاتب أن هذه القدرات، رغم أهميتها، لا تشكل بديلًا مباشرًا لمنظومة الدفاع الجوي والصاروخي التي بنتها الولايات المتحدة في الخليج خلال العقود الماضية.

 

مصادر التسليح تكشف حدود المحور الأمني

 

يوضح التقرير أن السعودية تعتمد عمليًا على كوريا الجنوبية وأوكرانيا لسد الفجوات الدفاعية، وليس على الدول المنضوية في المحور الجديد. فالصواريخ الاعتراضية متوسطة المدى وأنظمة مواجهة الطائرات المسيّرة تأتي من شركات كورية وأوكرانية، بينما تركز الصناعات الدفاعية التركية على إنتاج الطائرات الهجومية المسيّرة والمدرعات أكثر من إنتاج منظومات الدفاع الجوي.

 

ويشير الكاتب إلى أن هذا الواقع يكشف الفارق بين التعاون السياسي والتكامل العسكري، إذ تختلف قائمة الدول المشاركة في الاجتماعات السياسية عن قائمة الدول التي تزود المملكة بالمنظومات الدفاعية الأكثر احتياجًا.

 

ويستحضر التقرير تجربة حلف بغداد في خمسينيات القرن الماضي، موضحًا أن التحالفات الإقليمية كثيرًا ما واجهت تحديات بسبب اختلاف أولويات أعضائها. فتركيا تركز على ملفات سوريا وشرق المتوسط، بينما تنشغل باكستان بالهند وأفغانستان، وتولي مصر اهتمامًا بملفات سيناء وليبيا وأمن البحر الأحمر، وهو ما يجعل مواجهة إيران أولوية سعودية أكثر منها أولوية مشتركة لجميع الشركاء.

 

ويتناول التقرير أيضًا نظرة إيران إلى هذا المحور، موضحًا أن طهران لا تتعامل معه باعتباره كتلة موحدة، بل تدير علاقاتها مع كل دولة بصورة منفصلة، مستفيدة من المصالح الاقتصادية والسياسية التي تربطها بكل طرف.

 

ويخلص الكاتب إلى أن السعودية تبني محورًا سياسيًا يهدف إلى توسيع خياراتها الإستراتيجية في مرحلة يشهد فيها النظام الإقليمي تغيرات متسارعة، إلا أن نجاح هذا التوجه سيظل مرتبطًا بقدرته على التحول من إطار للتنسيق السياسي إلى منظومة دفاعية متكاملة، وهو هدف ما زالت تعترضه تحديات تتعلق باختلاف المصالح، وتباين العقائد العسكرية، واستمرار الاعتماد على موردي السلاح من خارج هذا التحالف.



https://houseofsaud.com/saudi-security-pivot-turkey-pakistan-egypt/